الصفحة الرئيسية - المقالات والردود - مقدمة لرسالة الأخ أبي فيروز الأندونيسي في رده على محمد بن عبد الوهاب الوصابي
مقدمة لرسالة الأخ أبي فيروز الأندونيسي في رده على محمد بن عبد الوهاب الوصابي
بقلم: عبد الحميد الحجوري الزُّعكري
- الساعة 12:00 صباحاً

بسم الله الرحمن الرحيم

 

                الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه والتابعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله القائل: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا». (أخرجه البخاري (6067) عن عائشة رضي الله عنها). أما بعد:ـ

                فقد اقتضت حكمة الله البالغة أن يبقى الخير والشر في صراع. قال عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118، 119]. ومع ذلك مع ما في هذه الفتن من تضييق الصدور وتضييع الأوقات إلا أن ما يلحقها من المصالح أضعاف ما يقع من المفاسد، فيقوم الصالحون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كان من أعظم ميزات هذه الأمة فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [آل عمران: 110]. ومن أجل تضييعه لُعن بنو إسرائيل قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78، 79].ـ

                وكان من لوازم موالاة المؤمنين هو التعاون معهم على هذه الشعيرة وغيرها. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]. ويقوم الصالحون أيضا بالنصيحة التي هي دين الرسل. قال الله تعالى عن نوح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 62]. وقال عن هود: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68]. وهكذا عن غيرهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين النصيحة». قالوا: لمن ؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعاماهم». أخرجه مسلم (55) عن تميم الداري رضي الله عنه.ـ

                ويقوم أهل الشأن بواجب الجرح والتعديل الذي ضيعه الناس إلا من رحم ربي من أهل العلم والهدى والرشاد والسداد، مع ما تضمنه هذا المنهج من الدلالة على الخير والتحذير من الشر والضير. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». أخرجه مسلم (1893)، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه. وفيه أيضا رد الإشاعات لا سيما ونحن في زمن يبلغ فيه الكذب الآفاق في أقل وقت وأقربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي». (أخرجه البخاري (2035) ومسلم (2175)).ـ

                ونوح عليه السلام لما قيل له: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 61]. وهود عليه السلام لما قيل له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 67]ـ

                فردُّ الشائعة الباطلة من المهمات ولا يجوز الزهد فيها لما فيه من لبس الحق بالباطل وتقليب الحقائق. وفي المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذبوا بأموالكم عن أعراضكم». ("تاريخ أصبهان" (ص 292) وصححه الألباني رحمه الله في "الصحيحة" (1461))، مع ما في التأليف والتصنيف لمن صلحت نيته وحسنت طريقته من الأجر والثواب والدعوة إلى سبيل الهدى والرشاد.ـ

                وفي "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». (أخرجه مسلم (2674)).ـ

                وإننا لنعجب -ولا عجب لأن الأمور بيد الله عز وجل- من أناس عرفوا السنة ودعوا إليها، ثم قلوها وحاربوها لا لشبهة حلت وفي قلبه وقرت، وإنما هو الحسد والحقد الناتج عن الهوى والكبر. وحال هؤلاء في التشبه بالكفار غير بعيد. قال عز وجل: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]. وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89].ـ

                فيستفاد من مثل هذه الفتن تنقية الصدور من أدرانها. ففي الحديث الصحيح: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». (أخرجه مسلم (144) عن حذيفة رضي الله عنه).ـ

                وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». (أخرجه الترمذي (3334)).ـ

                فالولوج في المعاصي سبب للانحراف عن طريق الاستقامة إلى طريق أهل الذلة والخيانة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27]. وكنا قد شغلنا قبل بفتنة عظيمة زاد شرها وعظمها وخطرها حيث حاول الرافضة الحوثيون ومن والاهم استئصال دار الحديث بدماج فخيب الله عز وجل سعيهم وبور مكرهم وردهم على أعقابهم خائبين. وهذا هو المتوقع من قوم فسدت عقائدهم وساءت أخلاقهم. قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151].ـ

                وبينما نحن في هذا الحال نداوي جراحنا ونرتب أوضاعنا مراجعين لبحوثنا ودروسنا والقيام بالواجب في تفقيه المسلمين سواء كانوا في دارنا أو فيما نأى عن بلادنا مستشعرين حاجتنا إلى عون الله عز وجل وتسديده وإلهامه وتوفيقه ﴿فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125] .ـ

                وكنا نظن أن من أصيب بداء التخذيل والحسد القاتل أن يراجعوا أنفسهم ويأوبوا إلى رشدهم لا سيما بعد أن ظهر خطؤهم ظهورًا لا خفاء فيه وأنكر عليهم الخاص والعام من المسلمين المستبصرين إذ يجب نصرة المظلوم والغيرة على دين رب العالمين لا سيما والظالمون الرافضة الذين مروقهم من الدين ظاهر وسيِفهم على السنة شاهر، لكن ربنا عز وجل لباطلهم قاهر ولأوليائه ناصر. فله الحمد والمنة.ـ

                وإذا بأصحاب القلوب السليمة والفطر المستقيمة يفاجئون بخروج كلام لا خطام له ولا زمام وليس فيه حجة ولا برهان من :محمد بن عبد الوهاب الوصابي -خيب الله سعيه وبور مكره- وكان ظاهر كلامه الزور وباطنه البغي والفجور. فما كان هذا حاله فحكايته تغني عن رده ولا ينفق مثل هذا الكلام إلا على طائفتين:ـ

             الأولى: ما عرفت الحق ولا رأته بعينها فيسيء عليهم كما قال أبي بن كعب رضي الله عنه: والله ما آسى عليهم ولكن إنما آسى على من يهلكون من المسلمين. ("حلية الأولياء"/3 /ص111).ـ

                والثانية: من عرف الحق بقلبه ورده بقوله وفعله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. فهؤلاء لا يُسئ عليهم ولا يبالى بهم إذا لا ينجع معهم دواء إلا ما وافق ما في أنفسهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ الله أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: 41]، ولا حول ولا قوة إلا بالله.ـ

                وكان القصد من كلامه النصرة للحزب الجديد الخاسر ففضح نفسه بكونه على طريقهم سائر. فقام من قام من إخواننا محتسبا للرد على كلام هذا المفتون وأخشى أن يكون قد أصابه ما أصاب أبا سعدة حين دعا عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. أو تكون الثانية وهي أطمّ: «من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به». (أخرجه البخاري (6499) ومسلم (7152) عن جندب رضي الله عنه).ـ

                وكان ممن رد على كلامه الباطل أخونا أبو فيروز الإندونيسي كان له الله فرأيته ردا طيبا، يرفع الله به الشبهة  وما فيها من الباطل، ويدفع ذلك الكلام البذيء العاطل، فجزاه الله خيرا.

                وفي ختام هذه الكلمة أسأل الله العظيم أن يكفينا شر الحاسدين من الحزب العدني المهين ومن اغتر بهم من الزائغين المنحرفين.ـ

والحمد لله رب العالمين.ـ

كتبها

أبو محمد عبد الحميد الحجوري

 الرابع من شهر صفر 1434 هـ 

 

أضف تعليقك
اسمك الكريم
عنوان التعليق
نص التعليق



كتب ورسائل الشيخ
يمكنك التواصل معنا عبر