محاضرة قيمة مفرغة بعنوان:  *«عرفت فالزم»* 

محاضرة قيمة مفرغة بعنوان:
 *«عرفت فالزم»* 

*لفضيلة الشيخ* 
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه* 

نسأل الله أن ينفع بها الإسلام والمسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

﴿'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)'﴾ [سورة آل عمران]

﴿'يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)'﴾ [سورة النساء]

﴿'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)'يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)'﴾ [سورة الأحزاب]

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿'إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ  وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

جمعنا الله وإياكم، وله الحمد والمنة، في ليلتنا هذه، الموافق "للثامن من محرم لعام ثمانية وأربعين وأربعمائة وألف،" في المسجد الجامع بمدينة حصوين من بلاد المهرة. والحمد لله الذي يسر هذا المسير وأعان ووفق إليه، فالله عز وجل هو القائل:﴿'هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

وقد يسر الله لنا في هذا اليوم، وله الحمد والمنة، بزيارة "دار القرآن والحديث بمسجد الإمام الوادعي" الذي يقوم عليه فضيلة الشيخ/أبو عمرو عبد الكريم الحجوري العمري حفظه الله وبارك فيه، ويسر فيه ما يسر من النصائح والتوجيهات التي كان مضمونها عظيم توفيق الله عز وجل للعبد، وعظيم هذه النعمة وهذه المنة الكريمة، فإن الله عز وجل إذا اصطفى المرء وفقه لطاعته ومرضاته وثبته على ذلك.

ثم يسر الله لنا زيارة مسجد الصفا الذي يقوم عليه الشيخ/ يحيى الصايدي حفظه الله، وكانت كلمة فيها بيان أن وحي الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كالغيث، وأن المستفيدين من هذا الوحي كالأرض، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث أبي موسى في الصحيحين، فينبغي للمسلم أن يحرص على الاستفادة من هذا الغيث العظيم وأن يكون شأنه كالأرض الطيبة المباركة النافعة المنتفعة.

وها نحن نلتقي بحمد الله وطوله في المسجد الجامع الذي يقوم عليه الشيخ/ أبو زيد معافى الحديدي حفظه الله، وقد سمعنا منه كلمة طيبة وترحاباً بإخوانه وسروراً بمثل هذا اللقاء الطيب، فالحمد لله الذي وفق، والحمد لله الذي أعان، ونسأل الله عز وجل السداد والقبول.

وإني لأرى طلاب العلم مع شيخهم الشيخ/أبي عمرو الحجوري قد حضروا إلى هذا المجلس وآثروه على الدرس، فلا نقول لهم إلا جزاكم الله خيراً، وجزى الله من يكثر سواد هذه المجالس خير الجزاء، فإن تكثير سواد أهل السنة من الأمور المطلوبة والمرغب فيها شرعاً وقدراً؛ 
أولاً اجتماع على طاعة الله، 
ثانياً مناصرة ومؤازرة، 
وهذا هو الشأن الذي يسير عليه السلفيون قديماً وحديثاً بفضل الله عز وجل.

أيها الإخوة، جاء حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلو طريق منه من ضعف، بل ربما تجد أن جميع طرقه لا ترتقي به إلى الحسن، ولكنه حديث يدخل تحت عمومات كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله ما يؤيده من آثار السلف رضوان الله عليهم. هذا الحديث جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحارثة: "كيف أصبحت يا حارثة؟" وفي بعضها أنه قال لمعاذ: "كيف أصبحت يا معاذ؟" قال حارثة: "أصبحت مؤمناً حقاً"، قال: "يا حارثة انظر ما تقول، إن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة قولك؟" قال: "أصبحت زاهداً في الدنيا، وكأني أنظر إلى العرش بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها، وإلى أهل النار يتضاغون فيها"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حارثة عرفت فالزم".

قد خرجت هذا الحديث في تحقيقي على كتاب الإيمان، لا أستحضر الآن، لابن أبي شيبة، وعلى أن الحديث لا يثبت، لكن كما أشرت لكم أنه تدخل تحت عمومات يأتي ذكر بعضها بإذن الله عز وجل. ويوافقه أيضاً عن عطاء رحمه الله، وهو عطاء بن أبي رباح، إذ قدم عليه أبو حنيفة من الكوفة، فقال له: "من أين جئت؟" قال: "من الكوفة"، قال: "من القرية الظالم أهلها" أو كما قال، قال: "نعم، ولكني أؤمن بالقدر وأرى فضل السلف"، وذكر شيئاً فقال: "عرفت فالزم".

عرفت فالزم، ما معنى هذه العبارة؟ معنى هذه العبارة: عرفت الحق فالزمه، ولا تفارقه، ولا تتركه، ولا تفتر فيه، ولا تفتر عنه. أصح مما ذكرنا حديث سفيان بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله سفيان أن يوصيه، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". أي استقم على هذا الإيمان، ولا تتزحزح، ولا تتغير، ولا تتبدل، فإن الاستقامة من الأمور المتعينة على العباد. قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿'فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
قال الله عز وجل:﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾
ذكر بعض السلف أن الله عز وجل أمر بالاستقامة ثم أمر بالاستغفار، لأن الإنسان قد يعتريه الخطأ، أو قد يعتريه الفتور، أو غير ذلك، فيحتاج إلى أن يستغفر الله سبحانه وتعالى.

أيها الناس، إن الذين عرفوا دين الله، وعرفوا شريعة الله عز وجل، وعرفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الحق في كل زمن وحين، أعداد كثيرة، منهم اليهود، قال الله عز وجل في وصفهم وما هو شأنهم مع محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾وهذا الخبر من الله عز وجل يدل دلالة صريحة واضحة جلية أن اليهود عرفوا صدق النبي صلى الله عليه وسلم معرفة لا يشك بعدها، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الأعمى لا يخطئ في ولده، ربما عرفه بجسه أو بمسه أو بصوته أو بحركته، وربنا عز وجل يخبر أن اليهود يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك هل التزموا ما عرفوا؟ الواقع أنهم عادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوه ومكروا به.

وهكذا المنافقون عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومع هذه المعرفة تشككوا وتذبذبوا حتى عاشوا على الكفر مع أن ظاهرهم الإسلام، وأخبر الله عز وجل عن مصيرهم بقوله ﴿'إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم كثير ممن عرفه، كثير ممن آمن به، وقع منهم ما وقع، حتى ذكر أهل النقل أنه لم يبق مسجد يصلى فيه إلا ثلاثة مساجد؛ مسجد المدينة (مسجد النبي صلى الله عليه وسلم)، ومسجد الكعبة، ومسجد جواثا بالبحرين، لعله يريد الجمعة، وإلا فقد بقي أناس على الإسلام كثر، لكن وقعت ردة عظيمة، أناس عرفوا الإسلام، عرفوا القرآن، عرفوا السنة، وحصل منهم ما حصل. ثم قام أبو بكر رضي الله عنه منافحاً مدافعاً مبيناً وموضحاً شأن الدين حتى فاء من فاء وذهب من ذهب.

بل إن أحدهم كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي، وفي يوم من الأيام قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب عليم حكيم" أو "عزيز حكيم"، فقال: "أو عليم حكيم أو عزيز حكيم؟" رد على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب"، فنفخ فيه الشيطان وقال: "ما يعرف محمد إلا ما أعرف"، وذهب إلى حي من الكفار، فإذا بربنا عز وجل يعاجله بالموت، فيدفنونه فتنبذه الأرض كما هو معلوم في الحديث.

نعم عباد الله، لو أننا جميعاً، أو لو أن جميع من وفقه الله عز وجل لمعرفة الحق ثبت عليه، لرأينا انتعاشة عظيمة، ولكن الواقع أن الإنسان قد يفتر عن العمل، أو قد يكسل عن العمل، أو قد يغفل عن العمل، أو قد يضعف، لكن قد جعل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حلاً لهذا الواقع، يعني طبيعة الإنسان أنه يتأرجح بين نشاط وقوة وبين ضعف وفتور، هذا أمر نلحظه من أنفسنا، يلحظه العالم في نفسه، ويلحظه طالب العلم في نفسه، ويلحظه العامي في نفسه، ويلحظه الرجال في أنفسهم، وتلحظه النساء في أنفسهن، أن الإنسان يتأرجح بين زمن نشاط وقوة وبين وقت ضعف وفتور. جعل النبي صلى الله عليه وسلم حلاً لهذا السبيل، وهو ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند أحمد وغيره، قال صلى الله عليه وسلم: "لكل عمل شرة"، لكل عمل من الأعمال التي يقوم بها المكلف، "لكل عمل شرة" أي نشاط وقوة وإقبال، "ولكل شرة فترة" فتور وضعف وكسل أو نحو ذلك. فما السبيل إذا كان هذا حال الإنسان إلا ما رحم ربي وقليل ما هم؟ 
"لكل عمل شرة ولكل شرة فترة،" تارة تجد نفسك ما شاء الله في الإقبال على الحفظ، على المراجعة، على الصيام، على القيام، على قراءة القرآن، على ملازمة الدرس، على انشراح الصدر، على التوكل، على الثقة بالله إلى غير ذلك، فجأة يحصل لك ضعف في هذه الجوانب؛ في مراجعة القرآن أو في مدارسته، في الكتابة، في التأليف، في التصنيف، في التدريس، في قيام الليل، في حضور الجماعة، في حضور الجمعة، في الدعوة، في كثير من الأمور نلاحظ هذا من أنفسنا أو لا نلاحظ؟

هذا أمر لا يستطيع أن ينكره أحد. ربما تقيم ليلة بإحدى عشرة ركعة بجزئين بثلاثة، بعد ليال تقيم ليلة إحدى عشرة ركعة ربما من "سورة التكاثر"
إلى "سورة الناس"، وربما ما تأتي بإحدى عشرة ركعة، ربما تصلي ركعة واحدة، بدل أن تصلي قائماً ربما تصلي جالساً، وهكذا. ربما تكون نشيطاً في الكتابة، في التدريس، في التأليف، في التصنيف، فجأة تجد نفسك لا تريد أن تقرأ، لا تريد أن تكتب، لا تريد أن تراجع، ربما تكون نشيطاً في التدريس، فجأة ترى من نفسك أنك تحتاج أن ترتاح اليوم واليومين أو الثلاثة، في أمور نلحظها. وهكذا أناس يتطوعون بالصيام وفجأة يضعفون، أناس تجده في الصف الأول وفجأة في الصف الثاني، بعدها في الثالث، بعدها ما يدرك تكبيرة الإحرام، بعدها ربما تفوته الجماعة.

إذن ما الحل حتى نسلم من الإثم؟ يعني إذا كان الفتور سيلحقنا يعني ولا بد، فلا بد أن نتدارك أنفسنا حتى لا نقع في الإثم، لا نقع في الوزر، لا نقع في المخالفة التي نذم عليها شرعاً أو قدراً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت فترته إلى سنتي فقد رشد". من كان في حال نشاطه مع السنة، وإذا فتر أو ضعف مع السنة، فقد رشد، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك أو فقد ضل أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. هذا هو السبيل الذي ينبغي أن نتدارك أنفسنا فيه، لأنه لا بد من قصور، إما مع الشواغل التي تأتي للإنسان، أو ربما حتى أمراض وأسقام، كم من إنسان مع المرض ربما يضعف، ربما يفتر، ربما يعرض، لا، عليك أن تكون في حال صحتك، في حال جدك، في حال قوتك، في حال نشاطك مع السنة، إياك أن تجاوزها إلى غلو، إياك أن تجاوزها إلى تنطع، وإذا فترت فلتكن مع السنة. النبي صلى الله عليه وسلم سقط من على الفرس فصلى جالساً وصلى بمن معه جماعة، النبي صلى الله عليه وسلم حين ضعف في آخر عمره كان يصلي ليلاً طويلاً جالساً وليلاً طويلاً قائماً، وهكذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا فلزموا ما عرفوا.

فنحن كذلك مطالبون بهذا الأمر، أيها الإخوة، لو أن كل إنسان عرف الحق ولزمه لرأيت النعشة العلمية والعملية والقوة الإيمانية، لكن يا سبحان الله، أناس تركوا الحق بسبب الدنيا، وأناس تركوا الحق بسبب وظيفة، وأناس تركوا الحق بسبب شبهة، وأناس تركوا الحق بسبب فتنة، ولذلك تجد أن المجتمع بين الحين والآخر تقع فيه انحرافة شديدة، وربما يقبل الله عز وجل بقلوب أخرى، فالسعيد من ثبت، والسعيد من وفق لمثل هذا المعنى الذي نتكلم حوله: "قل آمنت بالله ثم استقم" أو "عرفت فالزم".

هذا السبيل الذي وفق الله له من وفق، سبيل شائك، سبيل متعب، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:«ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، وعلى السورين ستور مرخاة، ومنادٍ في الصراط يقول: يا عباد الله ادخلوا ولا تتفرجوا»، وفي بعضها "ادخلوا ولا تتعوجوا". عباد الله، الصراط واحد يوصل إلى الله عز وجل، لكن جعل على جوانبه من الصوارف التي ربما صرفت الإنسان عن الخير الكثير والكثير، يزينها الشيطان للإنسان، ولا يدري الإنسان. 
النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن المنادي الذي هو القرآن كما فسر بالحديث يقول: "ادخلوا الصراط ولا تتفرجوا ولا تتعوجوا"، أي ادخل وامشِ
بدون التفاتة يميناً أو يساراً لأن ذلك ربما يؤدي بك إلى السقوط دون أن تشعر أنك ستسقط أو أنك ستموت.

انظروا إلى هذه الحادثة الأخيرة التي حصلت في حرضة دمت، يعني في فوهة البركان، هذا الرجل الذي يسمى القعقاع بن عنترة ، كم قد نزل وكم قد طلع وكم قد ذهب وكم قد كتب، ينزل بدون حبال ويطلع بدون حبال، وفي وقت من الأوقات ذهب إلى بطنها ومات فيها. ما السبب؟ 
السبب أنه أودى بنفسه إلى التهلكة، والسبب كذلك أنه لم يأخذ الاحتياطات اللازمة. فكذلك أنت مع كتاب الله ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرت أن تمشي في خط مستقيم لا تلتفت يميناً ولا يساراً لأنك إذا التفت ربما سقطت أو ضعفت أو ربما يعني دخل عليك ما يؤدي إلى أذيتك أو إلى غير ذلك.

وحذيفة رضي الله عنه كما في البخاري في كتاب الاعتصام يقول: "يا معشر القراء، يا معشر القراء استقيموا" أي على دين الله عز وجل وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لقد سبقتم سبقاً بعيداً"، سبقتم أهل البدع، سبقتم أهل الضلالات، سبقتم أهل الانحرافات، سبقتم النائمين، سبقتم الجهال، سبقتم من ضعف عن الاستقامة بدين الله عز وجل، "فإن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً"، وربما كان ضلال المنحرف أعظم من ضلال ذلك الضليل الذي نشأ على الضلالة ونشأ على الانحراف ونشأ على المخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عرفت فالزم، هذا ديننا وهذه عقيدتنا وهذا منهجنا. كان صلى الله عليه وسلم مع أنه الثابت على دين الله يقول:«يا مصرف القلوب صرف قلبي على دينك، يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك».

بل ربنا عز وجل قص عليه من القصص لتثبيته على هذا الدين:﴿'كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)'﴾ [سورة طه]
﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نعم عباد الله، وابن عمر كان يقول: "اللهم لا تنزع مني الإيمان بعد إذ أعطيتنيه". وعبد الله بن مسعود يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع دعاءه: "اللهم أسألك إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جنات الخلد". وأبو الدرداء رضي الله عنه كان يقول: "اللهم إني أسألك إيماناً دائماً". وقبل ذلك ربنا عز وجل يخبر عن دعاء المؤمنين، عن دعاء العلماء الثابتين على دين رب العالمين، أنهم يقولون: ﴿'رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)'﴾ [سورة آل عمران]
متى جاء هذا الدعاء؟ 
جاء هذا الدعاء بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أنزل الكتاب من آيات محكمات ﴿'هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)'﴾ [سورة آل عمران]
ثم كان دعاؤهم:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾

عرفت فالزم سبيل السابقين، سبيل الأولين من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم وأرضاهم. رجل يقال له أبو عبدالله لقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني»، فالتزم هذا الأمر، ومع ذلك كان أبو عبد الله يبكي ويخشى على نفسه، فقال له بعضهم: "ما يبكيك وقد قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني؟" أي على الحوض، أو يلقاه بالموقف، أو يلقاه في الجنة، أو في غير ذلك من المواقف العظيمة التي سيشهدها الإنسان المؤمن في مسيره إلى الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الله يأخذ قبضة فيقول هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي»، "فلا أدري في أي القبضتين أنا". نعم عباد الله، الصحابة رضوان الله عليهم عرفوا فلزموا الأوامر النبوية والأوامر الربانية، ولذلك تجد أن عبد الله بن مسعود مثلاً لزم التطبيق مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نسخ بوضع اليدين على الركب، لكن ظن أن ذلك هو المذهب الصحيح أو تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بخلافه فلزمه حتى لقي الله سبحانه وتعالى. نعم، وعبد الله بن عمرو بن العاص يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصيام مع التخفيف ولكنه أبى إلا بصيام يوم وإفطار يوم فلزمه، وهكذا لزم قيام الليل. وعبد الله بن عمر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: "نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل"، فكان بعد ذلك عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً ولزم هذا الأمر حتى وافته المنية وهو ما زال على القيام وعلى الصيام وعلى الطاعة وعلى المبرات. 
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم إذا عرفوا الأمر لزموه ولم يبدلوا ولم يغيروا. قالت أم حبيبة في حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من صلى لله ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة بنى الله له بيتاً في الجنة»، قالت: "والله ما تركتهن بعد"، قال الراوي عنها: "والله ما تركتهن بعد"، قال الثالث: "والله ما تركتهن بعد". ومعاذ بن جبل رضي الله عنه يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول دبر الصلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، فلزم ذلك وعلم من يليه بهذه العبادة الجليلة. بل ما وصل إلينا هذا الدين العظيم وهذه السنة المباركة وهذه الأحكام الجليلة إلا بالتزام الصحابة رضوان الله عليهم بما عرفوا من دين الله ومن دين الإسلام.

هاكم أبو بكر رضي الله عنه حين وقعت الردة وحين منعت الزكاة، قال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، راجعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك: "كيف تقاتل من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟" 
فقال أبو بكر رضي الله عنه: "الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً" وفي رواية "عناقاً كانوا يؤدونها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها".

كم انتفع المسلمون بسبب ثبات أبي بكر رضي الله عنه على هذه المسألة، كم انتفع المسلمون! عاد من عاد إلى الإسلام وثبت من ثبت على الإسلام. وهكذا عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه جيش أسامة لغزو الروم، فقال من قال: "انظر قد ارتد العرب فكيف توجه هذا الجيش؟" قال الكلمة المذكورة عنه والمشهورة: "والله لو رأيت الكلاب يتخطفن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعت جيشاً قد جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فأرسل الجيش فعاد الجيش مظفراً وثبت الناس على دين الله وعاد من عاد ممن ارتد إلى دين الله عز وجل حين تهيبوا من قوة الإسلام وعظمة الإسلام.

وكم في التاريخ الإسلامي من قصص عظيمة ومن أحوال كريمة ممن عرفوا الحق فلزموه، لم يغيروا، لم يبدلوا، لم ينحرفوا، لم يتذبذبوا، فهكذا فلتكن أيها السلفي، فلتكن أيها السني، فإن الله عز وجل قد أكرمك واصطفاك واجتباك من بين الناس بهدايتك إلى هذا الطريق، اجتباك ومنّ عليك بمعرفتك لهذا الطريق، فالزمه، الزمه ولو كثرت المغريات ولو كثرت المؤذيات ولو كثر المتربصون ولو مكر الماكرون، فإنك مأجور على صبرك ومأجور على ثباتك كما قال الله عز وجل:﴿'وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)'﴾ [سورة العنكبوت]
وربما كان لك أجر عظيم وتكون مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في جنة النعيم بسبب ثباتك، بسبب محبتك له، بسبب ما تبذل في إعلاء كلمة الله وفي العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«المرء مع من أحب».

إن هذا الدين دين الثبات، دين الاستقامة، دين اللزوم، دين الاستمرار، قال الله عز وجل في وصفه:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
فكما أتمه الله وأكمله الله ورضيه الله، فيجب علينا أن نتعلمه وأن نعرفه وأن نثبت عليه وأن نستمر عليه، إيانا أن ننحرف يمنة أو يسرة أو نغتر بمنصب أو وظيفة أو هوى أو شبهة أو غير ذلك، علينا أن نثبت وإن قلت أموالنا وإن كثر أعداؤنا وإن تربص بنا المتربصون ومكر بنا الماكرون وازدرانا المزدرون، فإن الحق واحد لا يقبل إلا أن نثبت عليه، والأعمال بالخواتيم.

نعم عباد الله، كم من أناس عرفوا الحق وحين ذهبوا نسوا وأهملوا وتركوا. لكم مثال في طلاب الشيخ/ مقبل رحمه الله الأوائل الذين تتلمذوا على يديه من أصحاب جمعية الحكمة وجمعية الإحسان، أناس تتلمذوا عليه، عرفوا السنة، عرفوا التوحيد، كتبوا، ألفوا، صنفوا، درسوا، بعد ذلك انفتحت لهم الدنيا وإذا بهم يتنكرون لشيخهم ويحتقرون ويزدرون ويؤلفون ويكتبون في ذمه وفي ذم ما هو عليه. ذهبوا، ذهبوا، هل تسمع الآن في الساحة بأحد منهم؟
 لا يسمع أحد بأحد منهم إلا من له عناية بالعلم، ربما يسمع أن هناك رجل كان يقال له عقيل المقطري كان يهم بتحقيق مسند أحمد، أين عقيل؟ 
لا يسمع. كذلك محمد المهدي لا يسمع، كذلك عبد الله الحميري لا يسمع، كذلك عبد الله الحاشدي لا يسمع، كذلك محمد بن موسى البيضاني لا يسمع، أناس كانوا يهزون المنابر، أناس كانوا يحفظون وكانوا يحسنون القراءة وكانوا يدرسون، وكان الشيخ رحمه الله يؤمل فيهم أن يكونوا دعاة هدى، وإذا بهم حين انحرفوا انطمس ذكرهم وذهب ما كان يعرف عنهم وأصبح لا يعرفهم إلا من كان حولهم. بينما أناس ثبتوا على دين الله سبحانه وتعالى فرفع الله ذكرهم وأعلى الله شأنهم وصار يسمع بهم في القريب وفي البعيد بسبب ثباتهم على دين الله عز وجل.

نعم عباد الله، هذا هو الدين الذي ينبغي أن نستمر عليه، عرفت فالزم، عرفت التوحيد الزمه واحذر الشرك والتنديد، عرفت العقيدة الصحيحة الزمها واحذر العقيدة الفاسدة، عرفت السنة الزمها واحذر البدعة، عرفت الأخلاق الحميدة من أداء الأمانة وصدق الحديث وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران وغير ذلك من الأخلاق الزمها واحذر الأخلاق السيئة، عرفت التواضع الزمه واحذر التعالي، عرفت الحق الزمه واحذر الباطل، هذا شعار ودثار لأهل السنة يؤجرون عليه من الله سبحانه وتعالى.

عرفت الحق، عرفت الهدى، عرفت القرآن، عرفت السنة، عرفت الخير فالزمه ولا تتزحزح عنه ولا تفتر عنه، بل قبل أن ترى من نفسك فتوراً، بل في حال قوتك وفي حال نشاطك وفي حال إقبالك، ليكن دعاؤك: "يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على دينك، 
﴿'رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ فإنك إن ضعفت ربما تعجز عن هذا الدعاء، وربما تفتر عن هذا الدعاء، وربما لا يستجيب لك هذا الدعاء، بينما حين تكون في حال إقبالك، في حال نشاطك، في حال يعني توكلك، في حال ثقتك بالله عز وجل تدعوه بهذا الدعاء فيثبتك الله عز وجل.

وأعظم من ذلك ما يتكرر في كل ركعة وفي كل يوم:﴿ 'اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (*)'صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي ثبتنا يا الله على هذا الصراط المستقيم الذي عرفناه وتعلمناه ولا ننحرف عنه لا إلى سبيل المغضوب عليهم ولا إلى سبيل الضالين.

هذا هو الدين القويم، وهذا هو الصراط المستقيم، وهذا هو الأمر الحتم والواجب الذي لا يجوز أن نتخلف عنه بحال. 
إذا تخلفنا عنه بحال فهذا سبب عطب، سبب ضعف، سبب انحراف. عباد الله، نحن على طريق مستقيم، إذا توقفت فيه ربما صدمت وربما عجزت عن اللحاق، ما بالك بمن يخرج منه يمنة أو يسرة؟ هذا الطريق لا يقبل إلا الاستمرار فيه حتى يصل صاحبه إلى الله، ولا يقبل كذلك إلا المضي فيه، كما قال ذلك الشاعر:

"رَكْضًا إلى الله بغير زادِ
إلَّا التُّقَى وعملَ المَعَادِ"

فالصراط المستقيم يحتاج من أصحابه الاستمرار عليه علمياً وعملياً ودعوياً، وأن يستعينوا بالله عز وجل على الثبات عليه، وأن يستعينوا كذلك بما جعله الله من أسباب الإعانة كالصلاة والصبر:﴿'وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)'﴾ [سورة البقرة]
وهكذا الاستعانة بالدعاء والاستعانة بمجالسة الصالحين وباستنصاح الصالحين إلى غير ذلك مما نرجو ونؤمل أن يكون من أسباب الثبات على هذا الدين. وكذلك البعد عن أهل البدع مجالسة ومناصرة ومكاثرة ومحبة وميولاً، فإن لهم غوائل وإن لهم طرقاً في إغواء الإنسان إن لم يثبت على دين الله عز وجل، ولذلك أمرنا الله بهجرهم وأمرنا الله بالتحذير منهم:﴿'وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾
ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عمران بن حصين عند أبي داود:«من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن أحدكم ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه لما يلقي من الشبهات».

عباد الله، يا أهل المهرة، سابقتكم عظيمة، سابقيتكم عظيمة، سابقيتكم شاركوا في الفتوحات، سابقيتكم ألفوا وصنفوا وكتبوا ورحلوا ودونوا، بعضهم من رجال الصحيحين وبعضهم من رجال الأمهات الست ومن مشايخ الست، وبعضهم في أسانيد الطبراني، وبعضهم عرفوا بالقيادة وعرفوا بالسيادة."يا أهل المهرة،" إن هؤلاء لم يعرفوا بكثرة أموالهم ولا بجمال وجوههم ولا بقوة أجسامهم، عرفوا بالعلم، عرفوا بالسنة، عرفوا بلزوم طريق النبي صلى الله عليه وسلم. وأنتم يا أهل المهرة قد رزقكم الله في هذه الفترة المتأخرة من أسباب الرفعة ومن أسباب العزة ومن أسباب المكنة ما ليست عند غيركم، صارت المهرة تذكر في وسائل التواصل الاجتماعي في صباحها ومسائها، في ليلها ونهارها، شدت الرحال إلى دور حديثها، يأتيها الشيوخ ويأتيها العلماء. يا ترى هل هذا من الطمع في أموالهم أو من التكثر بهم أو من الحرص على دنياهم؟ لا والله، وبالله وتالله، ما جاءكم إلا من قذف الله عز وجل في قلبه محبة السنة، محبة السلفية، ألا فلنثبت على هذا السبيل، ولنناصر هذا السبيل، ولنكثر سواد هذا السبيل، ولنحمد الله على هذا السبيل حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا وحتى يثبته الله. قال الله عز وجل:﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
نشكر لكم تعاونكم ونشكر لكم ما تقومون به من مناصرة ومؤازرة ومكاثرة هذه الدعوة، نشكر لكم إيواءكم لطلاب العلم ولشيوخ السنة، ونشكر لكم ما أنتم عليه من المحبة للدعوة السلفية، فاشكروا الله عليها يزدكم، واثبتوا عليها ثبوت الجبال الرواسي تجدوا من الله عز وجل الخير العظيم والنعم الكثيرة وتجدوا البركة التي افتقدها غيركم.

أنتم وضعتم على طريق عظيم ومنّ عليكم بنعمة كريمة. انظروا إلى حصوين، كم فيها من الشيوخ، ربما لا يوجد هذا العدد في مثل مدينة صنعاء في هذا الوقت وفي مثل كثير من المدن، وهو في مدينة حصوين، هذه المدينة الصغيرة، ومع ذلك فيها أكثر من خمسة مشايخ من مشايخ السنة، فضلاً عمن هم في يمينها وعمن هم في يسارها وعمن هم في حواليها في جميع أرجاء المهرة، شيوخ سنة وعلماء سنة، منهم المؤلف ومنهم المصنف ومنهم الخطيب ومنهم الموجه ومنهم من رحل إليه من هاهنا ومن هاهنا. وأنتم رزقكم الله إياهم، وما رزقكم الله إياهم إلا لمحبتكم لهذه الدعوة، لهذا السبيل، لهذا الخير، وإلا لزجرتموهم وربما نفرتم عنهم، لكن جزاكم الله خير الجزاء، وثبتكم الله، ونصركم الله، وأعانكم الله، وصار منكم الخطيب وصار منكم الكاتب وصار منكم المدرس، هنيئاً لكم. فالاستمرار الاستمرار، والثبات الثبات، والسير السير إلى الله عز وجل.

وفي الختام، أشكر الله عز وجل الذي وفق لنا هذا الاجتماع المبارك وجمعنا على مائدة الكتاب والسنة ووفقنا لما سمعنا من حسن الأقوال بإذن الله عز وجل، ونرجو أن يوفقنا الله عز وجل لحسن الأفعال، وجزاكم الله خيراً على حسن الاستقبال وعلى البشاشة والترحاب وعلى حسن الضيافة، ولا أقول إلا "سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت،أستغفرك وأتوب إليك،"
والحمد لله رب العالمين.