الأحد ٢٧ محرم ١٤٤٨ هـ

خطبة جمعة مفرغة بعنوان:  *🌴«الأدلة المتكاثرة بأن جنة الدنيا سبيل جنة الآخرة»🌴* 

خطبة جمعة مفرغة بعنوان:
 *🌴«الأدلة المتكاثرة بأن جنة الدنيا سبيل جنة الآخرة»🌴* 

*لفضيلة الشيخ* 
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه* 

نسأل الله أن ينفع بها 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

﴿'يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)'﴾ [سورة آل عمران]

﴿'يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا (١)'﴾ [سورة النساء]

﴿'يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا (٧٠)'يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)'﴾ [سورة الأحزاب]

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿'إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾

عباد الله، خلق الله آدم حين خلقه في الجنة، ولكن الشيطان وسوس له فعصى الله بأكله من الشجرة التي نهاه الله عنها، فأهبط إلى هذه الدنيا وما فيها من منغصات ومتعبات ومؤذيات ومقلقات، بينما قد قال الله عز وجل له حين أسكنه الجنة ﴿'إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (١١٨)'وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (١١٩)'﴾ [سورة طه]
لا حر ولا قر ولا جوع ولا عطش ولا عري، بل كمال الحياة، ومع ذلك وقع ما وقع، وكان هبوطه إلى هذه الدنيا الدنية المتعبة المقلقة المؤذية الناقصة المتقلبة المتلونة، متاعها زائل وكثيرها قليل،﴿'وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾، ﴿'ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ وَزِينَةٌۭ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌۭ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ هذا شأنها، ومع ذلك قد جعلها الله عز وجل سبيلاً إلى العودة إلى ذلك النعيم المقيم وإلى ذلك الخير العظيم لمن أطاعه واهتدى بهداه وأخذ بكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
لكن لو تأملنا حال الناس نجد أنهم يشكون من الدنيا ومن منغصاتها ومع ذلك يتركون سبب السعادة العظيم ﴿'مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٧)'﴾ [سورة النحل]

الدنيا عباد الله تنشرح بها صدور المؤمنين وتطمئن قلوبهم لا بها ولكن بما هو من طاعة الله عز وجل، ﴿'ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)'﴾ [سورة الرعد]
﴿'أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٢)'﴾ [سورة الزمر]
الدنيا عباد الله فيها جنة من لم يجدها يخشى عليه ألا يجد جنة الآخرة، إنها جنة الطاعة، جنة التوحيد، جنة السنة، جنة العلم، جنة العمل، جنة الصلاة، وغير ذلك من الطاعات والعبادات. قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف من يظلهم تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله:«ورجل تعلق قلبه بالمسجد».. أي بالطاعة، ينتظر الصلاة بعد الصلاة، وإن كان في دكانه، وإن كان في بحره، وإن كان في باديته، تعلقت قلوبهم بالصلاة والتقرب إلى الله عز وجل بأنواع القرب.

في الدنيا جنة من لم يجدها ربما حرم جنة الآخرة، جنة الإيمان: ﴿'إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)'﴾ [سورة الكهف]
جنة العلم: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ﴾
جنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة بالخيرات: ﴿'وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (١٠٤)'﴾ [سورة آل عمران]
فلما فعلوا ذلك قال الله عز وجل بشأنهم ﴿'كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ 

الجنة التي هي في السماء والتي أعدت للمؤمنين في الآخرة سبيلها الجنة التي هي في الدنيا، جنة الإيمان، يجن المؤمن بداخلها فيسلم من الشركيات ويسلم من عبادة غير الله ويسلم من السحر والشعوذة والكهانة والعرافة ويسلم من الغلو فيما يسمى بالأولياء والأضرحة والقبور. جنة تجنه فيسلم من البدعة والضلالة والحزبية والانحراف، جنة يجن فيها ويسلم من المعاصي والسيئات والذنوب المؤذيات المهلكات، لأنها معنى الجنة، تجن أصحابها، تحفظهم، تحيط بهم، فكذلك جنة الإيمان وجنة الإسلام تحيط بالمسلم في دنياه حتى يسلم مما يخالف هواه ومما يخالف الشيطان.

نعم عباد الله، فيا من تريد الجنة عليك أن تستجن في الدنيا بما جعله الله عز وجل لك جنة، تسلم به من المعاصي والسيئات والشركيات والبدع والخرافات وتُّسارع به إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
عباد الله، الله الله في طاعة الله وفي امتثال كتابه وفي الأخذ بسنته وفي الحرص على ملازمة الفضائل والبعد عن الرذائل. تأملوا في واقعكم، تأملوا في دنياكم، الحر مؤذي
ومتعب ومقلق، طلب الرزق متعب ومؤذي ومقلق، ما أنتم فيه معاشر الناس لكم فيها عبرة، فإذا أردتم الخلاص من هذا الحال فأصلحوا شأنكم مع ربكم بحيث تنشرح صدوركم وتطمئن قلوبكم وإن متم انطلقتم إلى النعيم المقيم والخير العظيم بمرضاة رب العالمين سبحانه وتعالى 
والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وصفيه ومجتباه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الله عز وجل حين خلق الجنة جعلها درجات إلى أعالي العاليات وأعلاها الوسيلة والفضيلة التي نرجو أن تكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلق النار وجعلها دركات وأدناها ﴿'إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)'﴾ [سورة النساء]
فأنت أيها الإنسان تضع نفسك في المكان الذي ستصل إليه، إن كانت أعمالاً صالحات رفعت بها الدرجات، وإن كانت أعمالاً سيئات قبيحات يخشى عليك أن تنزل الدركات، والحصة بالحصة، فكل عمل صالح تتقرب به إلى الله عز وجل أنت ترفع نفسك درجات في الجنة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية المشي إلى المساجد فقط:«فإذا خرج من بيته كانت خطواته إحداها ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة حتى يدخل المسجد»، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها»، فرفعتك بالجنة بطاعتك لله عز وجل الواحد القهار.

فبادر، سارع، شمر، كم من الآيات القرآنية سارعوا، سابقوا، استبقوا، الجنة غالية ما يكفي فيها الأماني، لا بد من عمل صالح ﴿'وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)'﴾ [سورة الزخرف]
﴿'كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ (٢٤)'﴾ [سورة الحاقة]
﴿'لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌۭ (٩)'فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍۢ (١٠)'لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةًۭ (١١)'فِيهَا عَيْنٌۭ جَارِيَةٌۭ (١٢)'فِيهَا سُرُرٌۭ مَّرْفُوعَةٌۭ (١٣)'وَأَكْوَابٌۭ مَّوْضُوعَةٌۭ (١٤)'وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌۭ (١٥)'وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)'﴾ [سورة الغاشية]

وأنتم يا أهل قصيعر قد رزقكم الله بهذا الصرح العظيم وبهذا الخير العميم، فبادروا إلى الدرس وإلى العلم وإلى المحاضرة وإلى تكثير السواد، وافرحوا أن الله هيأ لكم من يحذركم من عبادة القبور ويحذركم من الشرك والسحر والشعوذة ويحذركم من الحزبيات والضلالات ويحذركم من المعاصي والسيئات ويدعوكم إلى عبادة الله وإلى اتباع رسوله وإلى التزام الطاعات والمبرات، تصلح لكم أعمالكم ويصلح لكم دنياكم وأخراكم: ﴿'مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ﴾
هذا في الدنيا بانشراح صدره وطمأنينة قلبه وراحة باله، وفي الآخرة له الخير العظيم من النظر إلى الرب الكريم والتنعم في جنة النعيم، والحمد لله رب العالمين.

✍🏻فرغها/ يونـس القـاضي غفر الله له ولوالديه.