الجمعة ٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

خطبة جمعة مفرغة بعنوان: *«تذكير الأبرار بشعيرة الاستغفار»*

خطبـة جمعـة مفرغـة بعنوان:
*«تذكير الأبرار بشعيرة الاستغفار»*

*لفضيلة الشيخ* 
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه* 

 نسأل الله أن ينفع بها 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢﴾ [سورة آل عمران]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ۝١﴾ [سورة النساء]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ۝٧٠يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ۝٧١﴾ [سورة الأحزاب]

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾

عباد الله، إنما يقع على الناس من أحداث ونوائب وفتن هو بسبب ما يصدر منهم وما يكون عنهم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۝٣٠﴾ [سورة الشورى]
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ﴾ 
ولولا أن الله عز وجل قد قضى على نفسه ألا يهلك البشرية حتى يأتي يوم القيامة، وإلا فإن من ذنوبهم ما يؤذن بهلاكهم وهلاك هذه الدنيا وما فيها من الدواب، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يؤخرهم لعل أن يتوب من تاب ويؤوب من آب، أو يهلك من هلك بعد الإعذار والإنذار.

عباد الله، إن الله قد جعل لنا معاشر المسلمين سبيلاً للسلامة من آثار الذنوب والمعاصي، ألا وهو الاستغفار، 
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ما كان الله ليعذب التائب والعائد والمنيب، لكن بشرط الصدق في استغفاره، يستغفر استغفاراً يستوجب به مغفرة الذنب والتجاوز عنه، 
يستغفر استغفاراً بشروطه، ليس باستغفار اللسان المجرد، ولكن بتواطؤ القلب واللسان والجوارح. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ۝٨٢﴾[سورة طه]
يغفر ذنوبهم، ويستر عيوبهم، ويتجاوز عن سيئاتهم وزلاتهم، وترفع درجاتهم.

نعم عباد الله، إن من دعاء الملائكة المقربين لعباد الله المؤمنين: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾ ملائكة يستغفرون لك، لكنهم شرطوا مغفرة الذنب بتوبتك ورجوعك إلى الله سبحانه وتعالى. 
وإذا كان ربنا عز وجل يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ 
مع أنه قد غفر له، لكن لنعلم أهمية الاستغفار، 
وليشرك صلى الله عليه وسلم في استغفاره لنفسه مغفرة ذنوب المؤمنين والتجاوز عن المسلمين.

عباد الله، إن المتأمل في هذه الشعيرة يجد أن أوقاتها بعد طاعات وقربات، فحين تنتهي من الصلاة المفروضة شرع لك أن تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. 
وإذا انتهى الناس من حجهم ومن إفاضتهم أمرهم الله عز وجل أن يستغفروه وأن يتوبوا إليه ويؤوبوا إليه. 
بل إن قائم الليل الذي يبيت في صلاة شرع له عند السحر أن يأتي بالاستغفار، ﴿كَانُوا۟ قَلِيلًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝١٧وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۝١٨﴾ [سورة الذاريات]
قال الله عز وجل: ﴿وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾
مع صلاتهم، مع دعائهم، مع قيامهم بين يدي ربهم، أمروا بهذه الشعيرة العظيمة لأهميتها ولعظيم منزلتها وفضلها.

بل إن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يأمرون قومهم بذلك لتزداد قوتهم ويزداد خيرهم ويزداد نعيم الله عليهم، كما قال الله عز وجل عن أول رسول إلى أهل الأرض: ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ۝١٠يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ۝١١وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ وَيَجْعَل 

لَّكُمْ أَنْهَـٰرًۭا ۝١٢﴾ [سورة نوح]
إذاً نزول الأمطار وحصول الخيرات من الله عز وجل للعبد بلزومه لهذه الشعيرة، بل تزداد القوى؛ القوى العسكرية والقوى الاقتصادية والقوى البدنية، كل ذلك عائد إلى الاستغفار. 
وهود عليه السلام يقول:  ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ۝٥٢﴾ [سورة هود]

عباد الله، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر في ركوعه، 
ويستغفر في سجوده، 
ويستغفر بين السجدتين، 
ويستغفر قبل انصرافه من الصلاة، 
كانت حياته صلى الله عليه وسلم مع الاستغفار. بل إن من أسماء الله عز وجل الغفار والغافر، الذي يغفر لعباده ويتجاوز عنهم إذا استغفروه وعادوا إليه وأنابوا، 
والله المستعان.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. 

الاستغفار عبادة المؤمنين، وسبيل الموحدين، وهجير الأنبياء والمرسلين، 
ودعاء الملائكة المقربين للمؤمنين، فحين يبقى المؤمن في مجلسه الذي صلى فيه تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذِ فيه.

عباد الله، إننا بحاجة إلى هذه الشعيرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما جلس في الضحى ويقول:«رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» أكثر من مئة مرة. 
أمر الله عز وجل نبيه حين دنا أجله بالاستغفار لعظيم شأنه وعظيم فضله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ۝١وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا ۝٢فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا ۝٣﴾ [سورة النصر]
فلزم ذلك في جميع أحواله، كان لا يصلي ولا يجلس ولا يركع إلا ويقول:«سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» 
يتأول القرآن. 

🤲🏻غفر الله لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين.