خطبة جمعة مفرغة بعنوان:
*«فتح الإله بأهمية الدعاء واللجوء إلى الله»*
*لفضيلة الشيخ المجاهد:*
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه*
نسأل الله أن ينفع بها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢﴾ [سورة آل عمران]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١﴾[سورة النساء]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ٧٠يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ٧١﴾ [سورة الأحزاب]
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾
عباد الله، إننا في زمن قد كثرت فيه البلايا، وكثرت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، وتنوعت سبل الحلول كما تنوعت سبل الشرور، إلا أن من أعظم أسباب حل ما يقع فيه المسلم لهو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في دفع الشر ورفعه، فإن الله عز وجل لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض وهو العليم القدير، ولذلك قال: ﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
عباد الله، إننا في ليلنا ونهارنا وفي سرنا وجهارنا لا غنى لنا عن الله سبحانه وتعالى، فهو الغني، ﴿۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ١٥﴾ [سورة فاطر]
وإذا هذا شأنه فينبغي علينا أن ننزل حوائجنا به في قضائها وفي دفع شرها وفي جلب خيرها، فإن هذا المسلك هو الذي سلكه الأنبياء والمرسلون وسلكه الصديقون والصالحون في كل زمن وحين، وكم قص الله عز وجل علينا في كتابه الكريم، وكم قص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته من ذلك الخير العظيم.
عباد الله، إن الصلاة لها وقت معلوم، والحج له زمن معلوم، والصيام له وقت محدد، والزكاة تدفع في وقت قد بينه الله وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا الدعاء فإنه يصلح في كل وقت، يصلح من قائم ومن قاعد ومن ماشٍ ومن مستلقٍ ومن مصلٍ ومن حاجٍ ومن صائمٍ وفي جميع ما يكون عليه الإنسان، يستطيع أن ينزل حاجته بربه في ليله ونهار، في سحره، في حره، في برده، وهذا من فضل الله عز وجل على المسلم، لأن الحاجات كثيرة، والنوازل كثيرة، ولأن المسلم لا غنى له عن الله طرفة عين، فلذلك جعل الله عز وجل الدعاء في كل وقت وحين. إن قمت من نومك دعوته، وقبل نومك تدعوه، وفي حال قيامك للصلاة تدعوه، وفي ركوعك تدعوه، وفي قيامك من ركوعك تدعوه، وفي سجودك وبين السجدتين وقبل السلام وفي جميع الأوقات وأنت تدعو الله عز وجل الملك العلام.
أيها الناس، إن الله عز وجل لا يعجز، إن الله عز وجل لا يغلب، ولذلك تطلب منه جميع المطالب، ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
ومن أمثلة ذلك ما ربما استبعده المستبعدون، ما حصل ليونس عليه السلام، إن القصة التي ذكرها الله عز وجل في شأن يونس لو ذكرت لنا من أناس غير معصومين لربما لم نقبلها ولم نصدقها، رجل في ليلة مظلمة يلقى به في بحر متلاطم فيلتقمه حوت عظيم، وفي ذلك الخطب الجسيم لم ينس الله عز وجل، ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًۭا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٧فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨٨﴾ [سورة الأنبياء]
قصة عظيمة وعبرة جسيمة تجعل المسلم يتعلق بالله عز وجل ولا ييأس من فرجه ولا ييأس من رحمته ولا ييأس من استجابته،
أيوب عليه السلام مرض مرضاً طويلاً شديداً حتى أعيا الأطباء وحتى قلاه القريب والبعيد، وحين لجأ إلى الله عز وجل رفع الله كربته وأزال الله عز وجل علته، بل زاده سبحانه وتعالى المال الكثير ورد له الأبناء وأعطاه وحباه، ﴿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ
ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّۢ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ ٨٤﴾ [سورة الأنبياء]
أيها المريض الجأ إلى الله عز وجل فهو الشافي وهو المعافي وهو الذي لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.
أيها الفقير الجأ إلى الله عز وجل فهو الغني وهو المعطي، جاء في الحديث بينما أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً إذ سقط عليه جراد من ذهب فجعل يحثو في ثوبه فناداه الله يا أيوب ألم أكن أغنيتك عن هذا؟
قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك.
أيها الناس، من طلب الولد عليه أن يلجأ إلى الله عز وجل مع فعل الأسباب، هذا زكريا عليه السلام قد طال عمره وشاب شعره وربما احدودب ظهره ووهن عظمه وكانت امرأته عاقراً ولكن كان أمله في الله عظيماً فدعا ربه بالغلام، وإذا بالملك العلام يبشره بيحيى، بشره فتعجب زكريا عليه السلام من ذلك ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّۭا ٨قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًۭٔا ٩﴾ [سورة مريم]
فجاء الغلام وجاء الولد الذي قد انقطعت الأسباب في حصوله ولكن حين دعا الله عز وجل أعطاه إياه ومنحه.
نعم عباد الله، وهكذا إبراهيم عليه السلام اجتمع عليه قومه وأوقدوا له النيران العظيمة، تصور أن رجلاً تجتمع عليه قبيلته ومن إليهم ويوقدون النار العظيمة وقد قيد وربط ولا سبيل للسلامة، فقد وضع في المنجنيق ليلقى في وسطها ولا سبيل له إلى الخروج منها، ولكنه لم ينس الدعاء فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فما كان من الله عز وجل إلا أن استجاب له وكفاه تلك النار المحرقة ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩﴾[سورة الأنبياء]
الله أكبر، ما أعظم هذه الشعيرة العظيمة التي غفلنا عنها يا عباد الله، تعلقنا بالمحسوسات ونسينا هذا السبب العظيم الموصل إلى مرضاة رب العالمين، ولا تقل قد ذهب وقته وذهب زمنه، ففي فترة وجيزة كان من إخواننا من أصيب في بدنه حتى صار قعيداً على كرسيه لا يستطيع أن يقوم ولا يستطيع أن يتعاطى ما يريد، وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان وإذا يصلي مع الأنام في مسجد من مساجد المسلمين فدعا الله عز وجل ودعاه وتوسل إليه ورجاه ولم يخرج من صلاته إلا وهو يمشي على قدميه بغير كرسي ولا عكازة، إنه الله الذي لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض وهو العليم القدير.
جمع كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بدر فما كان منه إلا أن دعا الله ورجاه واستغاث به وإذا بربنا عز وجل يجيبه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ٩﴾ [سورة الأنفال]
إنما نعاني في الأمة الإسلامية من الفتن والمحن والحروب والقلاقل والزلازل والفقر والاضطرابات حله في العودة إلى الله سبحانه وتعالى، حله في دعاء الله سبحانه وتعالى، السميع المجيب الذي لا يعجزه شيء، ولكننا فرطنا وضيعنا وأهملنا ووكلنا إلى أنفسنا فأوكلنا الله عز وجل إلى ذلك والله المستعان.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وصفيه ومجتباه،
عباد الله، النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«الدعاء هو العبادة،» وفي حديث فيه ضعف: "الدعاء مخ العبادة". دعاء المسألة شأنه عظيم تفرج به الكربات ويرتفع المسلم فيه إلى الدرجات ويسلم فيه من النار ومن المهلكات، ولذلك جمعت أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في صباحه ومسائه وفي حضره وسفره وفي جميع شأنه، ألا فلنتأس برسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أردنا الفرج والسؤدد.
عباد الله، إلا أنه قد انحرف الناس في هذا الباب انحرافاً كثيراً إلا من سلمه الله عز وجل، فصار كثير من الناس يدعون المقبورين ويتوسلون بالضعفاء المساكين، يدعونهم من دون الله عز وجل، ربما قال بعضهم:
"يا هاربين من التتر
لوذوا بقبر أبي عمر"،
وربما قال بعضهم:
"إذا أعيتكم الأمور
فأنزلوها بأرباب القبور"،
نعوذ بالله، نعوذ بالله، صرف الدعاء لغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى يعتبر من الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه وتعالى.
أيها الناس، لا يجوز لنا أن ندعو ملكاً ولا نبياً ولا أحداً فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، أو يدعو الأموات وإن كان في أمور مقدورة كما يفعله الناس الآن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعاء من يسمونهم بالصالحين، وربما كانوا صالحين في أنفسهم لكن دعاؤهم من دون الله عز وجل لا يجوز، فيجب علينا عباد الله أن نلجأ إلى ربنا وأن نستعينه وأن نستغيثه ونبشر من الله عز وجل بالنصر والظفر والعافية والرزق والعون والسلامة والسؤدد والعز، إنه السلاح الذي لا ينقطع، إنه السلاح الذي يستطيع أن يقوم به كل مكلف، ربما مشلول كانت دعوته أقوى من قوي،
وربما عاجز كانت دعوته أقوى من قادر، ألا فلنلجأ إلى الله سبحانه وتعالى في رفع الدرجات وفي زوال الكربات وفي إصلاح شأن الأمة.
🤲🏻اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر الإسلام والمسلمين، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين، اللهم عافِ المريض، وأعطِ الفقير، وأصلح الحال، يا عظيم يا كريم، والحمد لله رب العالمين.
