بحث داخل الموقع
تصفح الموقع
اخترنا لكم
Slider
عدد الزوار

.: أنت الزائر رقم :.

تاريخ اليوم

الأحد 10-02-1442 (27-09-2020)

تطبيقات الأندرويد

الفائدة التاسعة والأربعون من كتابي المقالات المفيدة في التوحيد والفقه والأخلاق والعقيدة:

⚫ زكـــاة الفطــــر

الحمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيْرًا، أَمَّا بَعْدُ:
فالمتأمل لشريعة الله عَزَّ وَجَلّ يجد أنها شريعة متضمنة لمصالح العبد الدنيوية والأخروية، ويجد أنها متضمنة لحق الله عَزَّ وَجَلّ على عبده، ولحقوق العباد فيما بينهم
🟣 ومن ذلك ما جاء عند أبي داود، وابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»
وأصح من هذا الحديث الدال على فريضة هذه العبادة ما جاء في «الصحيحين»، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ».
وأمر النبي ﷺ، «أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ»،

🔵 وكانوا يؤدونها قبل العيد بيوم أو يومين، وجاء أيضا أو ثلاثة بسند صحيح عند مالك في الموطأ وربما جمعها ابن عمر عند بعض من يتولى جمع الصدقات، فإذا كان قبل العيد بيوم، أو يومين دفعها إلى مستحقيها.
🟣 وأفضل وقتها أن تؤدى ما بين طلوع فجر يوم العيد إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة، ووقتها الجائز أن تؤدى قبل العيد بيوم أو يومين، أو ثلاثة على ما تقدم وإذا أُديت قبل ذلك فهي باطلة، وإنما تحمل على أنها صدقة من الصدقات، وإذا أُخرت إلى بعد صلاة العيد فلا تجزئ، وإنما تخرج على أنها صدقة من الصدقات، كما في حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في «الصحيحين»، قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ»، وفي رواية: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ».
⚫ وقد اختلف بعض أهل العلم، هل قوله: صاع من طعام، هل هو من العام، وما بعده دال على تفاصيله؟، أم أن الطعام هو الحنطة الذي كان يتقوتها الناس في ذلك الزمان؟.
ومن هذا الحديث نأخذ أن زكاة الفطر يجوز أن تخرج مما يتقوته الناس مما ذكر في الحديث، ومما لم يذكر.
🟣 وأما مقدارها فهي على كل صغيرٍ، وكبيرٍ، ذكرٍ، وأنثى، حرٍ، وعبدٍ من المسلمين صاع، والصاع: أربعة أمداد، بمُد الرجل المعتدل، وصاع النبي ﷺ معلوم معروف.
وقد قدره شيخنا يحيى حفظه الله بما يوازي خمس علب من علبة الأناناس المعروفة، وقدره بعضهم بما يوازي أربع علب من علبة الشربة التي تسمى الشوفان.
وذهب بعض أهل العلم إلى تقديره بالكيلوات تقريبًا، وإلا فإن إخراجها بالمد، والصاع هو الأولى؛ اقتداء بالنبي ﷺ، ولأنه أضبط.
فقدر بعضهم التمر بكيلو وثمان مائة جرام، والأرز باثنين كيلو وخمسة وأربعين جرام، أو نحو ذلك، والبُر باثنين كيلو، تقديرات في جملتها عسى أن تفي بالغرض عند من لا يحسن الحساب، أما من كانت لديه استطاعة أن يقوم بكيلها بالصاع، والمد فهو الذي كان على عهد النبي ﷺ.
⚫ ولا يجوز أن تؤدى زكاة الفطر نقودًا، وإن كان قد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم إلا أن الصحيح خلاف ذلك، فإن النبي ﷺ فرضها من الطعام، وكان الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك.
ولأن إخراجها نقودًا لا يفي بالغرض، إذ أن المقصود من هذه الزكاة طعمة للمساكين في ذلك اليوم، والتوسعة عليهم في باب المآكل.
ولأن أخرجها طعامًا فيه إظهار للشعيرة في تراحم المسلمين، وتعاطفهم، حيث يرى الإنسان المسلمين في صبيحة يوم العيد وهم يخرجون من بيتٍ إلى بيتٍ يناولون الفقير الطعام الذي أوجبه الله عَزَّ وَجَلّ عليهم.
وهذا هو ترجيح شيخ الإسلام رَحِمَهُ اللَّهُ، وغيره من أهل العلم، كشيخنا مقبل رَحِمَهُ اللَّهُ، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين، وشيخنا يحيى الحجوري، وغيرهم كثير.
🔵 مصرفها مصرف زكاة الفطر واحد وهو الفقراء والمساكين، من المسلمين.
🔵 ويجوز أن يخرج الإنسان زكاة الفطر مما يُعطى فلو كان فقيرًا وأعطي زكواتٍ جاز له بل وجب أن يخرج زكاة الفطر إن كان عنده ما يزيد على ما يغديه ويعشيه ذلك اليوم، ويجوز للمسلم أن يخرجها مما أعطاه الناس سواء أعطوه هدايا، أو زكاة.
⚫ ويجوز أن يُوكِّل الإنسان من يخرج عنه زكاة الفطر إذا كان مشغولًا أو يخشى على نفسه عدم القيام، فيجوز أن يُعطي أحدهم نقودًا، والوكيل يشتري بها طعامًا ثم يخرجه.
أما من أخرجها نقودًا، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنها لا تجزئ عنه، وأنها غير مقبولة لأمرين:
* الأول: لأنه ترك هدي النبي ﷺ.
* الثاني: أنه جاء بشيءٍ أمر الشارع بخالفه، والأموال كانت عندهم ولو أراد النبي ﷺ أن تخرج نقودًا، لقال: ليخرجها أحدكم دينارًا أو درهمًا أو ما أراد، قَالَ تَعَالَى:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:64].
🟣 والأصل أن تخرج زكاة الفطر في البلد الذي فيه الإنسان، إلا أنه يجوز إذا لم يجد من يحتاج إليها أن يرسلها إلى بلد آخر.
والأصل أن كل مسلم يخرج عن نفسه، فالزوج يخرج عن نفسه، والزوجة تخرج عن نفسها من مال زوجها، أو من مالها، لكن إذا قام رب الأسرة بأداء الزكاة على الجميع فهو أمر حسن ولا محذور فيه.
هذه بعض الأحكام التي تتعلق بهذه العبادة.
وزكاة الفطر متعينه على الجميع إلا من عجز وليس عنده شيء، فعلينا أن نجتهد بإخراج هذه الزكاة التي أوجبها الله عَزَّ وَجَلّ لأمرين:
* الأول: طهرة إذ ما منا من أحد إلا وقد ألم بخطيئةٍ، وذنبٍ، ولغوٍ، ورفثٍ في هذا الشهر، نسأل الله السلامة.
* الثاني: طعمة للمساكين وتوسعة عليهم.
🔵 ويجوز أن تدفع زكاة الفطر إلى شخص واحد، ويوسع عليه ربما طيلة العام بذلك.
ومسألة قد يقول بعضهم: إذا أخرجناها شعيرًا، أو نحو ذلك من الأطعمة، ربما لا يستخدمها الناس الآن، وربما أعطوها للدواب، أو ربما لم يأكلوها، نحن غير مخاطبين بأكلهم، أو بعدم أكلهم نحن مخاطبون بإخرجها على ما ذكر النبي ﷺ، فمن أخرجها من ذاك فحسن، ومن أخرجها أرزًا أو نحو ذلك مما يتعاطاه الناس، فحسن.
والأقط: الحليب المجفف، الذي ذُكِرَ في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو من الأمور التي يحتاجها الآباء الفقراء لأبنائهم، وربما احتاجوها للإتدام بها، ونحو ذلك.

ونسأل الله القبول والسداد.
🟣 تنبيه بالنسبة لمن عجز عن إخراجها للحجر الصحي كما هو الحال في هذه الأيام فهو بين أمرين:
الأول: أن يوكل من يقوم بالأمر بدلا عنه باتصال أو نحوه سواء كان في البلد أو خارجا عنه.
الثاني: إن يحرزها على جانب حتى يتمكن من إخراجها بعد الحظر وقد فعل ما يجب عليه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها.
* * * * *


تطبيق المقالات المفيدة في التوحيد والفقة والأخلاق والعقيدة للشيخ أبي محمد عبدالحميد الحجوري الزعكري

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.Alfaiz.Almgalat_Almufedh_Alzoukry

الفائدة الرابعة والأربعون من كتابي المقالات المفيدة في التوحيد والفقه والأخلاق والعقيدة:

ليلة القدر، ليلة مباركة

الحمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:
يقول الله عَزَّ وَجَلّ:﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:6].
والليلة المباركة في قول جماهير العلماء، هي ليلة القدر، التي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ عنها:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ [القدر:1-5].
فهي ليلة مباركة كثيرة الخير، ولهذا عظَّم الله عَزَّ وَجَلّ شأنها في كتابه، وعظَّمَهَا رسوله ﷺ، بقوله: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
يا له من فضلٍ عظيمٍ، ومنةٍ واسعةٍ، وخيرٍ عميمٍ من ربناسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الغني الكريم؛ حيث يتفضل على عباده بمغفرة ذنوبهم، وستر عيوبهم، والتجاوز عن سيئاتهم، وزلاتهم، وفي ليلة واحدة يكرمهم بهذا الكرم العميم، والخير الواسع العظيم.
ولو قُدِّر أنه قامها مع الإمام بأقل قراءة في تمام، لكان ممن يرجى له هذا الفضل، لحديث «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».
«مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قيامه لها إيمانًا بالله، وإيمانًا بفضلها، واحتسابًا للأجر الذي وعده الله عَزَّ وَجَلّ عليها.
* وسميت ليلة القدر؛ لعلو قدرها، وشرفها، فهي صاحبة قدر عظيم، حيث توازي ثلاث وثمانين سنة، وفيها بركات عظيمة.
* وسميت ليلة القدر أيضـًا؛ لأن مقادير العباد تصرف من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة في تلك الليلة وقد روي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : رب ميت يمشي على الأرض.
فهذه الليلة سماها الله مباركة، ومن بركتها أن الله عَزَّ وَجَلّ يضاعف الأجر فيها للعامل، ويجزيه على ذلك المثوبة العظيمة، ومن بركتها أنها تتنزل فيها الملائكة، ولكثرة تنزل الملائكة في تلك الليلة تصبح الشمس بيضاء نقيه لا شعاع لها؛ لكثرة نزول وعروج الملائكة، والروح فيها أيضـًا ممن يتنزل جبريل عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهذا من عطف الخاص على العام؛ لبيان فضله، ومنزلته، وشرفه.
وهذه الليلة يقع فيها تعاقب نزول الملائكة، والملائكة يتعاقبون على مجالس الذكر، وعلى أماكن تلاوة القرآن، وعلى أماكن الصلاة، وغير ذلك من الطاعات مما هو معلوم بأدلته.
فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا، أَيْ رَبِّ قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».
وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا طَلَبَ».
ففي تلك الليلة يقع نزول عظيم للملائكة يسمعون الآيات، والدعاء، ويحضرون الجماعات، وتتحصل البركات، فلا ينبغي لمسلم أن يحرم نفسه من خير هذه الليلة.
* ومن وفق لها فعليه أن يكثر من الدعاء، وعليه بالصلاة، وقراءة القرآن، ولا يكون قيامها بالاحتفالات، كما هو الصنيع في بعض بلاد المسلمين، حيث يجتمع الرؤساء، والقضاة، ومن إليهم، ويتبادلون الكلمات، والتهاني، فهذا ليس من إحياء ليلة القدر، وإنما أحياها النبي ﷺ بالقيام والذكر والدعاء.
وينبغي لنا أن نحرص على الصلاة، ولا أقل من أن نصلي ما قُدِرَ في تلك الليلة من الخير.
ولينزجر أصحاب المعاصي، وليتركوا ما هم عليه من مشاهدة التلافز، والدشوش، وسماع الموسيقى، والأغاني، وليقبلوا على كلام الله، وكلام رسوله ﷺ، وليحضروا مجالس الذكر، والدعاء، والخير، لعل الله عَزَّ وَجَلّ أن يكرمهم بستر عيوبهم، وتكفير ذنوبهم، وصلاح أحوالهم.
ولنكثر من الدعاء لأنفسنا، ولأبنائنا، وبناتنا، وزوجاتنا، ولآبائنا، وأجدادنا، بل ولجميع المسلمين، فإنه لا غنى لنا عن الله عَزَّ وَجَلّ، نسأله الصلاح، والرزق، ونسأله العون، ونسأله الثبات على دين الإسلام حتى نلقاه.
ونسأل الله عَزَّ وَجَلّ أن يعاملنا بكرمه لا بما نحن عليه، أمَّا لو عاملنا بما نحن عليه، فنحن قوم على خطرٍ عظيمٍ، نسأل الله السلامة، عندنا قصور في العبادة، وتفريط، وغشيان للذنب، وتهاون بالأمر، وارتكاب للنهي، ولا تخلوا قلوبنا إلا من رحم الله من حسد، وغل، وحقد، ولا تتوقف ألسنتنا إلا من رحم الله عن غيبة، ونميمة، وكذب، وبهت.
فالواقع أن المسلمين حالهم مزري، لكن نسأل الله أن يتفضل عليهم بمغفرة الذنوب، وستر العيوب، وصلاح الأحوال، وحسن المآل فهو سبحانه أهل لذلك كله.
والحمد لله رب العالمين.
* * * * *


تطبيق المقالات المفيدة في التوحيد والفقة والأخلاق والعقيدة للشيخ أبي محمد عبدالحميد الحجوري الزعكري

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.Alfaiz.Almgalat_Almufedh_Alzoukry

الفائدة السادسة والعشرون من كتابي المقالات المفيدة في التوحيد والفقه والأخلاق والعقيدة:
كل شيء لم يكتب له البقاء، إذا اكتمل بدأ في النقصان

الحمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:
* في اليوم الرابع عشر من رمضان، لعام تسعة وثلاثين وأربعمائه وألف.
أقول: من المعلوم أن الشيء إذا اكتمل بدأ في النقصان، إلا ما خلقه الله تعالى للبقاء، وهي المنظومة في قول بعضهم:
ثمانية حُكْمُ البقاء يعُمُّها
من الخلق والباقون في حيِّز العدمْ

هي العرش والكرسي نار وجنة
وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ:﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:15].
* فالإنسان إذا اكتمل أشدَّه بدأ في النقصان، وهكذا القمر إذا صار بدرًا بدأ في النقصان.
فيا أيها الناس علينا أن نشمِّرَ فيما بقي، وأن نستغفر ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتجاوز عنا فيما مضى، ونسأله عَزَّ وَجَلّ أن يوفقنا فيما يأتي، والأعمال بالخواتيم، فشهر رمضان شهر مبارك من أوله إلى آخره على ما تقدم مرارًا: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
إلا أن أوآخره أفضل من أوائله، كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ» وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
وكان النبي ﷺ يجتهد في العشر الآواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، مع أنه كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره؛ لكن «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ»، أخرجاه.
فالأيام تذهب، والليالي تذهب، وبقي القليل، فـ«يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ»، «وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ».
والناس في آخر المواسم كلٌ حريص على شراء سلعته، أو بيع سلعته، فنحن في آخر الموسم، فلنكن أحرص من أهل الدنيا على دنياهم، ولنشمر.
انظروا دخل رمضان قبل ليال ما كنا نتوقع أن يسير بهذه الخُطا المتتالية، المتسارعة، تَهيَّبنَا حره، وتَهيَّبنَا ما فيه من النصب، وإذا فيه الراحة، والطمأنينة، والسكينة، وكسر الله عَزَّ وَجَلّ ما توقع الناس من الحر، وصرف الله عَزَّ وَجَلّ الضر الذي حصل لغيرنا، فهذا من دواع أن نقول: اللهم لك الحمد والشكر.
وأن نشكر الله عَزَّ وَجَلّ بالقول، واللسان والفعل، فإن النبي ﷺ كان يقيم الليل حتى تتفطر قدماه، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا؟ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
والنفوس تضعف، ففي أول الشهر ترى إقبالًا من الكبار، والصغار، ومن الرجال، والنساء على الطاعة، وبالاستمرار في الشهر ترى فتورًا، وتاونيًا، وكسلًا، وهذا ملحوظ عند الكثير إلا من جاهد نفسه.
فينبغي لنا أن نجاهد أنفسنا فيما بقي من هذه الليالي المباركة؛ لعل الله عَزَّ وَجَلّ أن يرزقنا الخير إذا أصلحنا النيات، وعالجنا الطويات، وتابعنا محمد ﷺ فيما كان يفعل ويذر.
والنفس كما تقدم تثقل عليها العبادة، لكن إذا عودتها الطاعة تعودت، النفس كالبعير إذا سايسه صاحبه سار به، وإذا لم يسايسه شرد به، فهكذا النفس إذا سايستها على الطاعة وتتعاون معها في سوقها إلى طاعة الله بالاستعانة به، والرجاء، والتوكل، وبالترغيب، والترهيب، وصلت إلى المطلوب.
وإذا تركتها تشرد شردت، وذهبت إلى حيث ألقت رحلها أمُّ قَعْشَمِ، ربما بعد ذلك لا تستطيع أن تماسكها.
والإنسان الذي ما يستقيم في هذه الأيام متى عساه يستقيم؟! صعب، إذا كان البدن هذه الأيام مؤهل للطاعة، والإنسان يشرد، متى يستقيم؟!
هذه الأيام البِطنة غير موجودة، والبِطنة تذهب الفطنة، وهذه الأيام الشياطين، والمردة مصفدة، وهذه الأيام باب الشهوات مغلق أو موصد، أبواب النار مقفلة، وأبواب الجنة مفتوحه، فإذا لم يُؤهَل الشخص للخير مع وجود هذا المؤهلات متى يتأهل؟! .
متى يصل إلى المطلوب؟!.
فالله الله باغتنام ما بقي فالعمر يفنى والليالي تطوى، ولا يدري أحدنا بما يختم له، والأعمال بالخواتيم.

* * * * *


تطبيق المقالات المفيدة في التوحيد والفقة والأخلاق والعقيدة للشيخ أبي محمد عبدالحميد الحجوري الزعكري

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.Alfaiz.Almgalat_Almufedh_Alzoukry

الفائدة الثامنة عشر من كتاب المقالات المفيدة في التوحيد والفقه والأخلاق والعقيدة

التفاضل في الآيات والسور القرآنية، والأسماء والصفات الإلهية

الحمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:
أخرج الإمام البخاري من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ:﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:24]». ثُمَّ قَالَ لِي: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: «أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ»، قَالَ: «﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ».


* هذه السورة عظيمة، وهي أفضل سورة في القرآن، ولهذا أمرنا الله عَزَّ وَجَلّ أن نتلوها في كل صلاة بل في كل ركعة، وسماها الله عَزَّ وَجَلّ الصلاة، ومن أسمائها فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والرقية، والشافية، والكافية، وغير ذلك من الأسماء.


وجاء عند الإمام مسلم من حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ:﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».


وهذه آية عظيمة تضمنت أسماءً لله عَزَّ وَجَلّ، وصفات لله عَزَّ وَجَلّ، وهي متضمنة لعشر جمل عظيمة تدل على علو منزلتها، ومكانتها من كلام الله عَزَّ وَجَلّ، مع أن كلام الله عَزَّ وَجَلّ كله فاضل، وكله كمال، ولكن قد فاضل الله عَزَّ وَجَلّ ورسوله ﷺ بين كلام الله عَزَّ وَجَلّ.


وجاء عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغيره، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» أي:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾.


وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «احْشُدُوا، فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».


وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟» فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ».


وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ».


وجاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِهَا، افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، قَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ. فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ. فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ»؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ»، وفي رواية: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ».


* فهذه ثلاث فضائل لثلاثة مواطن من القرآن تدل على علو منزلة ما ذكر من السور والآي، والقرآن كما قلت لكم: كله كلام الله، ووحيه، وتنزيله، ونوره؛ لكن الله عَزَّ وَجَلّ قد فاضل بين بعضه، ومن هذا أخذ أهل العلم التفاضل بين الأسماء والصفات؛ لأن القرآن صفة الله ومتضمن لأسماء الله.


* وكما وقع التفاضل فيه، فالتفاضل في صفات الله عَزَّ وَجَلّ، وفي أسمائه حاصل، ومن هذا الباب الاسم الأعظم الذي أخبر عنه النبي ﷺ كما جاء عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».


فأسماء الله كلها عظيمة، لكن منها عظيم وأعظم، ومنها فاضل وأفضل، وهذه السور التي ذكرتها لكم ينبغي لنا أن نعرف معانيها؛ فسورة الفاتحة نقرأها في كل ركعة، وهي نصفين كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عند مسلم قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:1]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي – وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي – فَإِذَا قَالَ:﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:7] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ».


ففيها بيان حقٍ لله عَزَّ وَجَلّ، وقسمٌ فيه بيان للطريق الموصل إلى الله عَزَّ وَجَلّ، وهو سؤال العبد لله أن يبصره بهذا الطريق.
* وآية الكرسي أخبر النبي ﷺ: «أنه من قرأ آيةَ الكرسيِّ في ليلةٍ، لم يزَلْ عليه من اللهِ حافظٌ ولا يقربُه شيطانٌ حتى يُصبحَ»، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.


وجاء عن غيره أنها تُقرأ في الصباح، والمساء، ومن قرأها لا يقربه شيطان حتى يمسي، وحتى يصبح، وهذا فضل عظيم.
وأما قرآتها دبر الصلاة، فقد جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ»، أخرجه النسائي، لكن الحديث ضعيف، من رواية مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرٍ، وقد أنكر الذهبي هذا الحديث كما في الميزان.


وسورة الإخلاص أخلصت الوصف لله عَزَّ وَجَلّ:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1]، أمر الله محمد ﷺ أن يقول:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وهذا كما قال:﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:1]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:1]، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:1]، فهو عبدٌ مأمورٌ، كما قال عن نفسه: أقول كما قال الله، بمعنى الحديث، يقول كما قال الله:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قال:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
* وبين بعض أهل العلم أن القرآن ثلاثة أجزاء:
جزء في التوحيد ودلت عليه سورة الإخلاص.


وجزء في القصص والأخبار، وهذا في القرآن كثير مما قصه الله علينا من أخبار من سلف، ومن أخبار من سيأتي.
وقسم أحكام، كأحكام الصلاة، والصيام، والنكاح، والعدة، وغير ذلك من الأحكام.


* فـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ متضمنة لحق الله عَزَّ وَجَلّ، فمن أسمائه الأحد، ولا يجوز أن يسمى أحدٌ بهذا الاسم من باب الإثبات إلا الله عَزَّ وَجَلّ:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولهذا لم يقل الأحد، قال العلماء لأنه مختص به.


بينما في الصمد، في العليم، في الخبير، في الحكيم، في القوي؛ لأنها أسماء غير مختصه تقدم بالألف واللام الذي يفيد الاستغراق، والاختصاص.


بينما في هذا الاسم﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي: الأحد الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:16].


* وقوله:﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، الصَّمَدُ: الذي لا جوف له، وقيل: الذي تصمد إليه الخلائق، وقيل: الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقيل: هو الكامل في سؤدده، الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في جميع صفاته. وكلها معاني يدور عليها معنى الصمد، فالله عَزَّ وَجَلّ تَصمد إليه الخلائق، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، وهو الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.


وهذه التي تقدمت تسمى عند العلماء صفات ثبوتيه، وأما قوله:﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾: هذه تسمى صفات منفية، أو سلبية بمعنى أن الله ينزه عنها.


﴿لَمْ يَلِدْ﴾: بحيث أن له ولد، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾: بحيث أن له والد، بل هو سبحانه الخالق، وما سواه مخلوق، بل هو سبحانه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.


فالله عَزَّ وَجَلّ صمدٌ لم يلد ولم يولد، بل هو المتصف بالحياة الأزلية الأبدية، قَالَ تَعَالَى:﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: 3].


وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:58].
وَقَالَ تَعَالَى:﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:255].
* قوله:﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، لم يكن له سمي، ولا مثيل، ولا معين، ولا ظهير، ولا نصير، بل هو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المتفرد بالخلق، والملك، والتدبير.


كما أنه المتفرد بالألوهية، فمن أشرك معه غيره بطلت عبادته، لا يجوز أن يشرك مع الله عَزَّ وَجَلّ غيره لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا.


وقد جاء في بعض الآثار أنها نُسبة الله، كما جاء عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾فَالصَّمَدُ: الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلاَّ سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلاَّ سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلّ لاَ يَمُوتُ وَلاَ يُورَثُ:﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلاَ عِدْلٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.


وجاء مرسلًا عَنْ أَبِي العَالِيَةِ والمرسل أصح، وابن حجر يحسنه لتعدد طرقه.


فهذه السورة فيها صفات الله عَزَّ وَجَلّ الثبوتية الدالة على الكمال المقدس من كل وجه.


من هذا عُلِمَ أنَّ هذه الآيات القصار، والسور القصار، ربما يكون فيها من المعاني، والفضائل ما يفوق غيرها، وكلما كانت السورة والآية متمحضة في بيان حق الله كلما كانت أكمل من غيرها من السور والآي، مع أن كله كلام الله، ووحيه، وتنزيله. وإنما قلنا هذا من باب أن النبي ﷺ قد بين التفاضل بين السور والآي؛ كي يكون عند العبد مزيد إهتمام لقراءة بعض السور والآي وتدبرها.


وهذا السور التي ذكرتها يعلمها أغلب المسلمين ومع ذلك يجهلون أحكامها إلا من رحم الله.


ولو علم المسلمون معاني السور والآي لازداد إيمانهم، وازدادت مراقبتهم، وزاد خوفهم ورجائهم في الله عَزَّ وَجَلّ.
وكما أسلفت لكم، ذلك الأنصاري الذي كان يقرأ:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، في كل ركعة، لا لأنها قصيرة، قد قال له أصحابه: إن كنت ترى أنها لا تجزيك أقرأ بغيرها، وإن كنت ترى أنها تجزيك اقرأ بها، لكن قال: إِنِّي أُحِبُّهَا لأنها صفة الله.


وفي الحديث الآخر: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ»، وكان الله محبًا له؛ بسبب حبه لصفة الله، بارك الله فيكم.


* * * * *


تطبيق المقالات المفيدة في التوحيد والفقة والأخلاق والعقيدة للشيخ أبي محمد عبدالحميد الحجوري الزعكري

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.Alfaiz.Almgalat_Almufedh_Alzoukry