الفائدة الرابعة والعشرون:
الموت في الأيام أو الأماكن الفاضلة
الحمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:
يسأل بعضهم ويقول: نرى أُناسًا على غير صلاح واستقامة، ولكن نراهم يموتون في الأيام الفضيلة مثل رمضان، ومثل يوم الجمعة؟
أقول موتهم في مثل هذه الأيام، أو موتهم في الأماكن المفضلة مثل الحرم، وغيره، لا يغير من حالهم شيئًا، ولا يدل على صلاحهم، ولا على حسن الخاتمة؛ لأن الإنسان إنما يجازى على عمله، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ في وصف أهل الجنة:﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:72].
وهكذا يذكر الله عَزَّ وَجَلّ في شأن أهل النار بأنهم ما دخلوها إلا بسبب معاصيهم، وكفرهم، وعنادهم، إلى غير ذلك، قَالَ تَعَالَى:﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:14].
وأما الحديث الذي فيه: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ»، فهو حديث ضعيف لا يثبت في سنده رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ وهو ضعيف.
وعلى القول بثبوته يحُمل على أهل الخير، والصلاح الذين هم يعملون الصالحات في جميع الأيام، وإذا جائهم الموت يوم الجمعة كانوا من المستعدين له بالتوبة، والاستغفار، وحسن الخاتمة، وغير ذلك.
أما مجرد موت الإنسان في يوم فضيل، أو في شهر فضيل أو في مكان فضيل هذا لا يؤثر ليس من عمله، اليوم الفضيل ليس من عمله، والشهر الفضيل ليس من عمله، والمكان الفضيل ليس من عمله، وإنما يثاب الإنسان بعمله.
والموت في المكان المبارك إن استطاع الإنسان أن يتحصل عليه فهو أمر مطلوب، فإن موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لما جاءه ملك الموت: «سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ».
وكان عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يقول: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ».
وكان أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يرجو أن يموت يوم الاثنين موافقة لموت رسول الله ﷺ في يوم الاثنين، وقبض يوم الثلاثاء؛ فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَتْ: «فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ» وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: «يَوْمَ الِاثْنَيْنِ» قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: «يَوْمُ الِاثْنَيْنِ» قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ.
لأن الزمن الفضيل يفرح به المؤمن يموت على خير، ويبعث على خير، كما قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
فالإنسان إن مات صائمًا هذا الذي يرجى له الخير، إن مات ساجدًا هذا الذي يرجى له الخير، إن مات مُصليًا مُزكيًا هذا الذي يرجى له الخير، إن مات طالب علمٍ هذا الذي يرجى له الخير.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
لأن هذه أعماله يعملها، ويتقرب بها إلى الله عَزَّ وَجَلّ، وختم الله عَزَّ وَجَلّ له بها، والأعمال بالخواتيم، أما أن يموت يوم الجمعة ماله فيه أي دخل أصلًا.
ومثله قراءة القرآن على نية الميت ليس للميت فيه أجر؛ لأنه ليس بعملٍ له أصلًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ:﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم:39].
ومثله عندما أن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، أو بحق نبيك، أو بحق موسى، أو بحق عيسى، أو بحق آل البيت أو غير ذلك، ما له فيه أي مدخل.
جاه النبي ﷺ له، وجاه عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ له، وحق آل البيت الصالحين لهم، إذا قلنا آل البيت ما نريد الروافض، الآن أصبح الوصف على آل البيت على الروافض، نعوذ بالله من تقمصهم لهذا الوصف، إذا أطلقنا آل البيت نريد آل البيت الصالحين، مثل: علي، والحسن، والحسين، ومن سار على سيرهم.
فالشاهد أن الإنسان يجازى بعمله، فلا تذهب إلى نسب، ولا إلى يوم، ولا إلى شهر، ولا إلى شيء، اذهب على أنك مُتَ على صلاح في يوم سبت، في يوم جمعة، في يوم أحد، في يوم اثنين، وأنك مت على صلاح في شهر رجب، أو في شهر شعبان، أو في شهر محرم، أو في غير ذلك من الشهور.
أما أن يظن الظان أن من مات في رمضان له فضيلة، إن مات صائمًا له فضيلة، إن مات قائمًا له فضيلة، أنه يبعث على ما مات عليه.
أما تارك الصيام، ماذا يستفيد إذا مات في رمضان؟
أو تارك الصلاة، ماذا يستفيد إذا مات في رمضان؟
أو متعاطي السيئات والآثام، ماذا يستفيد إذا مات في رمضان؟
فعلينا عباد الله أن نبادر بالصالحات، وأن نستغل الأوقات المباركات بالتوبة إلى الله عَزَّ وَجَلّ؛ لأن الإنسان لا يدري متى يُقضى عليه.
كم من إنسان ختم له بسوء خاتمة، انظروا ذلك المغني طلال مداح، كم قد أفسد بأغانيه، كم قد أفسد بدقته على العود، ربما حصل بسبب ما كان عليه فساد عريض في الأخلاق، في القيم، في المبادئ.
لأن الغناء كما قال السلف: بريد اللواط ورقية الزنا، وكان السلف يَحذَرونه جدًا، ويحُذِرون منه، مات وهو يغني على خشبة المسرح والناس ينظرون إليه وهو يدق العود، يبعث على ما مات عليه من البلاء، والشر، نعوذ بالله من الشر والبلاء.
بينما إذا مات الإنسان يقرأ القرآن، ويسبح، ويستغفر، ويحمد ربه، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، مات على وصية طيبة، المؤمن حتى عند موته وهو يخرج منه الصالح، يأمر أهله بالطاعة، يأمر أبناءه بالخير، أوصيكم بكذا، أوصيكم بكذا.
والمجرم إذا جاءه الموت إما يصيح، وإما يتألم ما يريد أن يموت، مع أن الموت لا مفر منه، قَالَ تَعَالَى:﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الحمعة:8]، سبحان الله ما قال: يدرككم، أو يلحقكم، قال: مُلَاقِيكُمْ كأنك تجري فار منه ويقطعك قطعًا، فهذا هو الواقع أن الموت أمام الإنسان يدركه لا محالة، قَالَ تَعَالَى:﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78].
ما يستطيع الإنسان أن يفر من الموت أبدًا، لا المَلِكُ، ولا المَملوك، ولا الإنسي، ولا الجني، ولا الغني، ولا الفقير، ما يفرق الموت يقول: هذا مسكين يُرحم، وهذا غني يكرم، وإلا هذا عالم يُترك.
قَالَ تَعَالَى:﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:34].
وَقَالَ تَعَالَى:﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:38].
أعطاه الله عَزَّ وَجَلّ آجال العباد إذا جاء الأجل لا يُفَرِّق، ولا ينتظر، قَالَ تَعَالَى:﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:34]
نسأل الله أن يتوفانا على الإيمان، والسنة، والإسلام.
قال الأوزاعي رَحِمَهُ اللَّهُ: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب. فقلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السنة. اهـ.
أمر عظيم أن يموت الإنسان على الإسلام، والسنة وهو بعيد عن البدع، والشر، ولكن أغلب الناس لا يتعظون مع أن أباه مات أمامه، وأمه، وأخاه، وأخته، وجاره وصاحبه، وهو في ما هو فيه من الباطل: كَفَى بِالمَوتِ وَاعِظًا، والمفروض أنَّ الإنسان يكفيه الموت واعظًا في ما هو فيه من البلاء، إذا كان من أصحاب المعاصي، إذا ذكر الموت ينزجر.
وإذا كان من أصحاب الطاعات وذكر الموت يزيد في طاعته لأنه يعرف أنه سيحال بينه، وبين ما يشتهي من العمل، قَالَ تَعَالَى:﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾ [سبأ:54].
وبالله التوفيق.
* * * * *
تطبيق المقالات المفيدة في التوحيد والفقة والأخلاق والعقيدة للشيخ أبي محمد عبدالحميد الحجوري الزعكري

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.Alfaiz.Almgalat_Almufedh_Alzoukry
